محمد حسين علي الصغير

42

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

الموضع جوازا ومجازا سار فيه وسلكه ، وجاوزت الموضع بمعنى جزته ، والمجاز والمجازة الموضع » « 1 » . وهذا مما يرجح لدى وجود علاقة قائمة بين التعريف لغة واصطلاحا ، فبملاحظة عبارات القوم نجدها متقاربة في المؤدى والمضمون ، تقارب الأسر اللغوي للمعنى الاصطلاحي ، وانبثاق الحد الاصطلاحي عنه ، وهو الاجتياز والتخطّي من موضع إلى موضع ، وهذا يكشف عن وجود العلاقة المدعاة بين استعمال المجاز لغة واستعماله اصطلاحا ، فكما يجتاز الإنسان ويتنقل في خطاه من موضع إلى موضع ، فكذلك تجتاز الكلمة بمرونتها الاستعمالية من موقع إلى موقع ، ويتخطى اللفظ محله من معنى إلى معنى ، مع إرادة المعنى الجديد بقرينة تدل على ذلك ، لأن تلك الكلمة أو ذلك اللفظ ، قد استعملا في غير ما هو موضوع لهما في أصل اللغة ، وبذلك يبدو لنا أن المجاز يتضمن عملية تطوير لدلالة اللفظ ، وتحميله المعاني المستحدثة بما لا يستوعبه اللفظ نفسه في أصل وضعه الحقيقي . والذي نخلص إليه أن الاستعمال المجازي قد أوجد صلة مبتكرة بين اللفظ في استعماله الحقيقي ، ومعناه الجديد المنقول إليه ، إلا أن الأول ماض في طريقته اللغوية المحددة له في إرادة أصل الاستعمال المتبادر إليه في الذهن العربي ، والثاني قد اجتاز حدود الاستعمال الأولى إلى أفق جديد من الإرادة الاستعمالية المتجددة التي دلت عليها قرائن الأحوال من دون تأثير على الوضع الأولى لذلك اللفظ فهو هو في مجاله الحقيقي ، وهو غيره في معناه المجازي ، إلا أن هناك رابطة بين الأصل والفرع لا بدّ من توافرها ، إذا لم يكن المجاز جزافا فيما دل عليه ، وقد أشرنا لذلك سابقا . أصالة الاستعمال المجازي المجاز في لغة العرب فن أصيل تمتد جذوره إلى العصر الجاهلي في الاستعمال ، وتشتبك فروعه في كل من الشعر والنثر على حد سواء ، وقد

--> ( 1 ) ابن منظور ، لسان العرب : مادة : جاز .